السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
26
مختصر الميزان في تفسير القرآن
بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ( البقرة / 213 ) أن الآية تكشف عن نوعين من الاختلاف بين الناس . أحدهما : الاختلاف من حيث المعاش وهو الذي يرجع إلى الدعاوي وينقسم به الناس إلى مدّع ومدّعى عليه وظالم ومظلوم ومتعدّ ومتعدّى عليه وآخذ بحقه وضائع حقه ، وهذا هو الذي رفعه اللّه سبحانه بوضع الدين وبعث النبيين وإنزال الكتاب معهم ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، ويعلّمهم معارف الدين ويواجههم بالإنذار والتبشير . وثانيهما : الاختلاف في نفس الدين وما تضمنه الكتاب الإلهي من المعارف الحقة من الأصول والفروع ، وقد صرّح القرآن في مواضع من آياته أن هذا النوع من الاختلاف ينتهي إلى علماء الكتاب بغيا بينهم ، وليس مما يقتضيه طباع الإنسان كالقسم الأول ، وبذلك ينقسم الطريق إلى طريقي الهداية والضلال فهدى اللّه الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق ، وقد ذكر سبحانه في مواضع من كلامه بعد ذكر هذا القسم من الاختلاف أنه لولا قضاء من اللّه سبق لحكم بينهم فيما اختلفوا فيه ولكن يؤخرهم إلى أجل ، قال تعالى وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ( الشورى / 14 ) إلى غير ذلك من الآيات . وسياق الآية السابقة أعني قوله تعالى : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ الخ ؛ لا يناسب من الاختلافين المذكورين إلّا الاختلاف الثاني وهو الاختلاف في نفس الدين لأنها تذكر ركوب الناس طريق الضلال بعبادتهم ما لا يضرّهم ولا ينفعهم واتخاذهم شفعاء عند اللّه ، ومقتضى ذلك أن يكون المراد من كون الناس سابقا أمة واحدة كونهم على دين واحد وهو دين التوحيد ثم اختلفوا فتفرقوا فريقين موحّد ومشرك . فذكر اللّه فيها أن اختلافهم كان يقضي أن يحكم اللّه بينهم باظهار الحق على الباطل وفيه هلاك المبطلين وإنجاء المحقين لكن السابق من الكلمة الإلهية منعت من القضاء بينهم ، والكلمة